رقم الخبر: 296852 تاريخ النشر: تشرين الثاني 21, 2020 الوقت: 12:55 الاقسام: ثقافة وفن  
الشاعر أبوالعلاء المعري.. شذى الولاء لأهل البيت(ع)
إبداع وشاعرية فذّة وبلاغة وفلسفة

الشاعر أبوالعلاء المعري.. شذى الولاء لأهل البيت(ع)

شعر أبي العلاء طافح بشذى التشّيع والولاء لأهل البيت(ع) وأبرز قصائده في ذلك قصيدته النونية الرائعة في رثاء أمير المؤمنين(ع) وسيد الشهداء الإمام الحسين(ع) والتي يقول فيها:

وعـلـى الـدهرِ من دماءِ الشهيديـنِ

عـلـيٍّ ونـجـلِـهِ شـاهدانِ

ربما لن يضيف هذا الأثر النفيس إلى أبي العلاء المعري جديداً كونه واحداً من أعلام الفكر والأدب العربي، فتاريخه الحافل بالإبداع وشاعريته الفذّة وبلاغته وفلسفته تضعه في مصاف أفذاذ التاريخ العربي، ولكن هذا الأثر يوضح أمرين مهمين في حياة أبي العلاء ويشكّلان نقطة تحوّل في تاريخه.

الأول: هو أنه يعرِّف القارئ على نهج جديد وفريد لم يسبق أبا العلاء إليه أحد فيه، اختطه في هذا الكتاب وجعله رائداً في بابه، وجعل كتابه كنزاً من كنوز التراث، حيث أودع فيه خلاصة فكره وفلسفته واعتقاده وعصارة عقله وقلبه وموقفه من الحياة والموت والبعث والنشور والقيامة، كما أودع فيه براعته في فني الشعر والنثر ففيه يذكر الحكمة نثراً ثم يصوغها شعراً، وهو في ذلك لا يخرج عمّا اعتاد عليه من وقوف على الغريب من اللغة وتصيّد للوعر الصعب من القوافي التي يتجنّبها غيره من الشعراء وإيثار المهجور من الألفاظ التي تنبض بالدلالة على ما تجيش به نفسه فيعبِّر عن ذلك بلغة الفيلسوف وخيال الشاعر المقتدر المتمكّن من تذليل عسير اللغة وتيسير عسيرها.

أما الأمر الثاني: وهو الأهم في هذا الكتاب فهو يصحح نظرة أغلب المؤرخين والكتاب إلى أبي العلاء في عدّه متشككاً ومتمرِّداً ومُلحداً، فهو هنا يردّ على هؤلاء الذين طعنوا في دينه واعتقاده ويبدّد كل الشكوك والأقاويل التي أثيرت حوله ويفنّدها بصوته المليء بالإيمان بالله (جل وعلا)، والخشوع والتسليم له، واليقين بما جاء به الأنبياء (عليهم السلام) من آدم (ع) وحتى نبينا محمد (ص).

التهمة الباطلة

اعتاد المؤرخون اقتفاء أثر من سبقوهم وترسّم خطاهم في وصف الشخصيات التاريخية وإسقاط نفس الأحكام عليها والانضواء تحت ركام التقليد الأعمى غير آبهين بما يصيب وصفهم هذا من ظلم وإجحاف بحق تلك الشخصيات أو حتى إذا ما كان هذا الوصف مطابقاً للحقائق التاريخية أم لا، فقد تلقّنوا ما سطّر أسلافهم من معلومات على أنها من المسلّمات التي لا تقبل الجدال أو الشك دون الرجوع إلى التحقيق والتمحيص وكسر هذا الحاجز التقليدي المجحف وكأنهم قد اتفقوا على العمل بقول الشاعر:

إذا قالت حذامُ فصدّقوها

     فإنَّ القولَ ما قالتْ حذامُ

وإذا كان ثمة جديد في وصفهم (الحذامي) هذا فهو إيغالهم في مدح من مدح أسلافهم وغلوهم في ذمّ من ذمّوه ومبالغتهم في قدح وتجريح من اتهموه، ولعل من أوفر الشخصيات حظاً من هذا الحيف هو الشاعر الفيلسوف أبو العلاء المعري الذي أتِّهمَ بالكفر رغم أنه صام الدهر كله، وكان يحافظ على الصلوات الخمس ولم يتركها بأي حالٍ من الأحوال حتى بعد أن ضعف فكان يصلي من جلوس واتهم بالزندقة وهو القائل:

متى ينزلُ الأمر السماويُّ لم يفدْ

    سوى شبحٍ رمي الكميِّ المناجدِ

وإن لحقَ الإسلام خطـبٌ يغضّه 

  فمــا وجدت مثلا له نفسُ واجدِ

إذا عظّموا كيوان عظّمتُ واحداً

      يكـون له كيوانُ أوَّل ساجدِ

لقد تغاضى المؤرخون عن كل هذه الحقائق وغيرها في حياة هذا الشاعر الكبير وإيمانه بالله ونقلوا التهم التي أطلقها عليه أسلافهم جزافاً، ومن يتحرّى عن هذه الحقائق أكثر يجد أن التهم التي أطلقت عليه كانت تطلق لأسباب ارتكزت على الحسد والبغض والاختلاف في الرأي فليس من العجيب ان يتُهم بالخروج عن الملّة عند أولئك المؤرخين من يقول:

لـقـد عـجـبوا لآلِ البيـتِ لمَّا

      أتاهم علمهمْ في جـلدِ جفرِ

ومرآةُ المنجّمِ وهي صغرى

    تريهِ كل عامرةٍ وقفرِ

 

عودا على بدء

نرى من لزوميات البحث واستكمال أدواته واستيفاء مقاصده الحديث ــ ولو باختصار ــ عن أبي العلاء وسيرته ومكانته وأدبه وباقي مؤلفاته وخصائصه النفسية وملامح شخصيته وصفاته الذاتية، ولأن المعري كان من أفذاذ الشعر وأرباب البلاغة فقد ارتأينا أن نطرق هذا الباب بالشعر ونترك الحديث عنه لمن يضاهيه شعرا.

جاء أبو العلاء المعري الى هذه الحياة فملأها دويّاً وكثر عنه الحديث بين مؤيد له ومتهجّم عليه، وكل هذه الاختلافات تدل على سموه وعظمته ولا تزال آراؤه تتجدد وأشعاره تتناقل حتى أخذ عنه الفلاسفة والمفكرون والشعراء في مختلف الأزمان والبلاد.

لم يتم أبو العلاء الثالثة من عمره حتى أصابه الجدري فذهبت عينه اليسرى وبعد عام غشي العين اليمنى بياض فكفّ بصره وهو طفل لا يعرف من الألوان سوى الأحمر لأنهم ألبسوه وهو مصاب بالجدري ثوباً مصبوغاً بالعصفر.

لقّنه أبوه النحو واللغة على حداثته ثم قرأ على جماعة من أهل بلده فكان مطبوعاً على الشعر وقد جاءت قريحته به قبل أن يتم الحادية عشرة من عمره كما لم يمنعه العمى عن خوض شتى العلوم فلم يبلغ العشرين من عمره حتى أحاط بسائر علوم اللغة وآدابها واكتسبها بالمطالعة والاجتهاد فكان يقيم أُناساً يقرأون له كتبها وأشعار العرب وأخبارهم وقد تمتع من جانبه بحافظة تفوق التصديق إلى درجة أنه لم يكن يرى في العمى نقصاً ففاق أقرانه كثيراً في شتى العلوم وكان يقول: (أحمد الله على العمى كما يحمده غيري على البصر).

أخذت شهرة أبي العلاء وفطنته وسعة علمه تتناقلها الأفواه في الآفاق ورحل في طلب العلم على عادة ذلك الوقت فسافر إلى طرابلس واللاذقية وسواهما من بلاد الشام ودرس العلم والفلسفة ولكنه لم يجد في هاتين البلدتين وغيرهما ما يشفي غليله إذ كانت بغداد في ذلك الوقت منارة العلم ومطمح كل طالب علم ومهوى أفئدة العلماء والمتعلمين فسافر إليها عام 398هـ وقد سبقته إليها شهرته فاستقبله علماؤها بالحفاوة فكان أبو العلاء أنفاً عزيز النفس وقوراً مهيبا.

توفي أبو العلاء سنة 449 هـ عن 86 سنة ولما مات أنشد على قبره أربعة وثمانون شاعراً مراثٍ منها هذه الأبيات لعلي بن الهمام من قصيدة طولية:

إن كنتَ لم ترقِ الدماءَ زهادةً

      فلقد أرقتَ اليومَ من جفني دما

سيّرتَ ذكـــراً في البلاد كأنه

      مسكٌ مســامعها يضمّخ أو فما

ونرى الحجيجَ إذا أرادوا ليلة

      ذكراكَ أوجـب فدية من أحرما

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق/ ابنا
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 1/3177 sec