رقم الخبر: 288045 تاريخ النشر: آب 01, 2020 الوقت: 12:53 الاقسام: ثقافة وفن  
فن التصدق.. استشعار عميق لمسؤولية الفرد المسلم تجاه المجتمع
صيغ مبتكرة لإعادة تمتين العلاقات الإنسانية

فن التصدق.. استشعار عميق لمسؤولية الفرد المسلم تجاه المجتمع

فضلا عن كونها أمرا إلهيا وواجبا شرعيا، فإن الصدقة عنوان على مجتمع التراحم والتضامن، وشارة الحس الإنساني التي تزين صدور المُنفقين. إنها اللُحمة بين اليد العليا واليد السفلى، ضدا على ذيول الداروينية الاجتماعية المتطرفة، والمنحازين إلى مجتمع الأقوياء.

بداية، تجدر الإشارة إلى أن النبي(ص) قد وسع في عدد من الأحاديث دائرة الصدقة لتشمل الطير والبهيمة. وجعل النفقة على الأهل واللقمة في فم الزوجة صدقة إذا احتسبها صاحبها. وأخرج الصدقة من صورتها المادية المعتادة ليفسح لها حضورا معنويا مؤثرا، لا يقل في الأجر والثواب عن إنفاق الدرهم والمتاع. فجعل الأمر بالمعروف صدقة، والكلمة الطيبة، والإمساك عن الشر صدقة، والتهليل والتسبيح والتكبير صدقة، بل حتى التبسم الذي لا يكلف سوى انفراج الأسارير في وجه الإخوان صدقة.
إن هذه التوسعة التي همّت الحسي والمعنوي تتيح للمسلم أن يحظى بثواب الصدقة على القول والفعل، وبذلك تصبح حركاته وسكناته عبادة متصلة. يقول ابن بطال في وجه كون الكلمة الطيبة صدقة أن إعطاء المال يفرح به قلب الذي يُعطاه ويُذهب ما في قلبه، وكذلك الكلام الطيب فاشتبها من هذه الحيثية. ولو رصدنا أوجه الشبه في حياتنا اليومية من حيث مقصد إدخال الفرح لما وسعنا أن نحصي فنون التصدق وألوانه.
إن المكتبة الإسلامية غنية بمئات المصنفات التي تناولت بإسهاب مقاصد وأحكام الصدقة، إلا أن الجانب (الإبداعي) لم يحظ باهتمام مماثل، رغم أن أخبار الصالحين والحكايات المتوارثة عن مبادراتهم وحضورهم المجتمعي، تؤسس لما يمكن أن نسميه فن التصدق، أي إبداع سبل الإنفاق التي تحفظ ماء وجه الفقير والمسكين، وتسد حاجته دون المساس بكرامته وآدميته.
فن التصدق إذن هو مجموع الأساليب التي انتهجها السلف الصالح للإنفاق في سبيل الله، مع إيلاء الشعور الإنساني أهمية قصوى، بحيث تحقق الصدقات غايتها دون أن تخلف ندوبا أو جرحا لمشاعر من أُعطيَت لهم. ومن خلال النماذج المتفرقة في أخبار السلف، تتضح إبداعية الخطوات والمبادرات، وتحقُقُ الأثر المعنوي للصدقة بمعزل عن أية مرامي أخرى.
كان للتابعي الجليل عروة بن الزبير بستان من أعظم البساتين بالمدينة. وكان يجدد حيطانه كل سنة لحماية أشجاره من أذى الصبيان والماشية، حتى إذا أينعت الثمار وطابت، أقبل على السور فهدمه في أكثر من جهة ليتيح للناس أن يدخلوا البستان ويحملوا منه ما شاؤوا.
وقدم علي بن الحسين بن علي(ع) عليهم نموذجا يُحتذى في صدقة السر والإنفاق في جنح الظلام. فكان يحمل ليلا أكياس الدقيق على ظهره ويضعها أمام بيوت الفقراء، ثم ينصرف ولسان حاله يردد: «إن صدقة السر تطفئ غضب الرب». وظل على هذه الحال إلى أن وافته المنية، فلما غسّلوه وجدوا آثار الحبال سوداءَ على ظهره، فقالوا: ما هذا؟ فحدث أهلُه الناسَ بصنيعه.
وفهموا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن في الصدقة شفاء من الأسقام ووقاية من ميتة السوء. لذا كان التصدق أسلوبا علاجيا يقاومون به الأوجاع، إذ يحكى ان رجلا جاء إلى عبد الله بن المبارك يشكو إليه قرحة خرجت في ركبته منذ سبع سنين،  فجرب أنواعا من العلاج وسأل الأطباء فلم ينتفع بشيء. فقال له: اذهب فاحفر بئرا في مكان حاجة إلى الماء، فإني أرجو أن ينبع هناك عين، ويُمسك عنك الدم، ففعل الرجل، فبرأ.
إن فن التصدق في جوهره لا يقوم على التبرع بالفائض، أو التخلص من الملابس المكدسة والأواني غير المستعملة؛ وهو وليس مجرد تدوير للمتلاشيات، وإنما استشعار عميق لمسؤولية الفرد المسلم تجاه المجتمع، وحِمية ضد الأنانية وعبادة الذات. وكلما اجتهد المرء في إبداع أشكال تقاسم المنفعة مع المحتاجين، فإنه بذلك يعزز مبدأ الأمن الاجتماعي، ويسهم في إخماد ما تثيره اللامبالاة من دواعي الكراهية والبغض.
ولم يكن فن التصدق وإبداع سبل الإنفاق قصرا على الأفراد، بل امتد إلى السياسة العامة في زمن بعض حكام المسلمين. فعدد من الإجراءات التي حفظها التاريخ تنطوي على سبق وإبداع في توجيه وصرف الموارد والمداخيل، لتحسين المعيشة وسد منافذ الحاجة.
والتصدق فنون، فإن المال ليس سوى مدخل من بين مداخل عدة لتحقيقه. إذ يمكن للمسلم أن يتصدق بفائض طاقته البشرية. ولهذا الفن أصوله في السّنة، كالتوجيه النبوي المتعلق بإماطة الأذى عن الطريق، وأن يكون المسلم في حاجة أخيه «مع توسيع لمدلول الحاجة»، وكل صيغ التعاون المندرجة تحت مسمى البر.
تسعفنا فنون التصدق في الحد من ظاهرة التسول التي صارت حرفة من لا حرفة له. وانحصر مدلول الصدقة لدى معظم الناس في دريهمات يضعها المرء، عند خروجه من المسجد أو مركز التسوق، في يد السائل والمحتاجة. وإنه لمن المحزن أن تطالعنا دور النشر الغربية بكتب عن قوة العطاء وفن العطاء، والصيغ المبتكرة لإعادة تمتين العلاقات الإنسانية وإشاعة قيم التضامن والتعاطف، في الوقت الذي يُهدر المعوزون ببلادنا كرامتهم وآدميتهم على الأرصفة.
لا ننكر في هذا الصدد آلاف المشاريع الخيرية التي تعج بها بلاد المسلمين، والجهود التطوعية التي يبذلها الملايين من الشباب لاستعادة قيمنا وإنسانيتنا. لكن يلزمنا مزيد من حرارة العطاء، أعني تلك الدفقة الشعورية التي لا تجعل الأمر مجرد تخلص من الفائض أو تدوير لسلع منتهية الصلاحية.
يُحكى أن رجلا من العرب شوهد في يده قطع من الخبز يكسرها ويلقيها بجانب جدار بيته إلى النمل. فقيل له: مالك وللنمل؟ فأجاب: هن جارات ولهن حُرمة! وليست فنون التصدق سوى مرآة لتلك الحُرمة التي نأمل استعادتها في عالم استحوذت عليه الأنانية .

 

بقلم: حميد بن خيبش  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 2/8113 sec