رقم الخبر: 285287 تاريخ النشر: حزيران 27, 2020 الوقت: 15:33 الاقسام: مقالات و آراء  
خارج السيطرة.. كيف عطّلت إيران التفوّق الجوي الأميركي؟

خارج السيطرة.. كيف عطّلت إيران التفوّق الجوي الأميركي؟

التجارب الأليمة كان لها دور عظيم في صقل منظار النخبة الإيرانية نحو العالم والأميركيّين بشكل خاص، وأدت في النهاية إلى تحقيق اختراقات علميّة في مجال التشويش الإلكتروني والرادارات وأنظمة التوجيه.

"عندما يطلق العدوّ صاروخاً باتجاهنا، لا يمكننا أن نكتفي بإلقاء خطاب نقول فيه: "سيّد صاروخ"، أرجوك لا تضرب بلدنا وأناسنا الأبرياء. يا أيها السيد المطلق للصاروخ، هل تتكرّم وتضغط زراً لتفجير الصاروخ في الهواء؟".

«الرئيس الإيراني حسن روحاني، 22 آب/أغسطس 2019، من خطاب الإعلان عن منظومة "بافار-373" للدفاع الجوي».

في الثالث من تموز/يوليو 1988، أطلق طرّاد الصواريخ الأميركي "يو إس إس فينسنز" (USS vincennes) صاروخاً باتجاه رحلة طيران إيران رقم 655، المتوجّهة إلى دبي من ميناء بندر عبّاس المجاور. كما هو متوقّع، لم يكن من الصعب على طرّاد حربي إسقاط طائرة مدنيّة، مخلفاً 290 ضحيّة من المدنيين، جلّهم الأعظم من الإيرانيين.

رفضت الولايات المتحدة حتى يومنا هذا الاعتذار عن الحادثة، واكتفت بالتأسف على الضحايا المدنيين، إذ أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش الأب آنذاك: "لن نعتذر عن الولايات المتّحدة الأميركية أبداً. لستُ مهتماً بالحقائق". وتبع ذلك توزيع الأميركيين بعض الميداليات والشرائط على المشاركين، مكافأةً على هذه البطولة في السنوات اللاحقة، كوليام روجرز الثالث قبطان السفينة، وسكوت لوستيغ الضابط المسؤول عن تنسيق الحرب الجويّة.

حفرت هذه الحادثة عميقاً في الوجدان والوعي الإيراني، ووجدت طريقها إلى الثقافة العامّة والعديد من الأعمال الثقافيّة والفنية. المسألة هنا لم تكن الألم المتأتي من الجريمة فقط، بل ما هو أعمق، أي الإحساس بالعجز، في وقت كانت إيران تخوض حرباً مريرة خلّفت ما خلّفت من الضحايا مع عراق صدّام حسين، وجعلت أي ردٍّ خارج المستطاع.

سبق هذه الجريمة عدوان شنّه الأميركيون على سلاح البحرية الإيراني وبعض المنشآت النفطيّة المدنيّة في نيسان/أبريل من العام نفسه. سمّى الأميركيون هذا العدوان عمليّة "فرس النبي" التي استهدفت منشأتي النفط الإيرانيتين "ساسان" و"سيري"، مدمّرة إياهما، وذلك بعد ادّعاء الأميركيّين بأن الهجوم جاء رداً على تلغيم البحرية الإيرانية لطرق عبور النفط في الخليج (الفارسي) وانفجار لغم بفرقاطة أميركيّة.

يومها، حاول الإيرانيّون الردّ بما كان حاضراً جوّاً وبحراً، إلا أن الهجمات لم تكن منسّقة بأي شكل، فلم تتمكّن القوات المسلحة الإيرانية من إغراق أي قطعةٍ بحريّة أميركية. من جهة أخرى، تضرّر قسم كبير من قطع البحريّة الإيرانيّة، فكان أسوأ هذه الخسائر فقدان الفرقاطة الإيرانية "سهند"؛ جوهرة البحرية الإيرانية.

لا تنطلق الجمهورية الإسلامية في إيران في تطوير أسلحتها وصناعتها العسكريّة من مفهوم ردعٍ ميكانيكيّ ماديّ بحت، بل من تجارب أليمةٍ كان لها دور عظيم في صقل منظار النخبة الإيرانية نحو العالم والأميركيّين بشكل خاص. في خطاب آخر لوزير الخارجية محمد جواد ظريف، برّر رفض دولته التفاوض وفتح النقاش حول المنظومة الصاروخية الأرضية بمقاربة شبه مماثلة لمقاربة روحاني، فقد أعلن أن الإيرانيّين لا يريدون التواجد في زمان ومكان يكونون فيه عاجزين في وجه عدوٍّ يقصف مدنيّيهم وبنيتهم التحتيّة، كما حصل في حرب (قصف) المدن المتبادل أثناء الحرب العراقية الإيرانيّة.

وصلت القيادة الإيرانيّة بالحديد والنار إلى خلاصةٍ مفادها أن ما يحميك في هذا العالم هو قدرتك الذاتية، وأن القانون والمؤسسات الدوليّة لا تهدف إلا إلى دفع الأمور إلى الوضع القائم نفسه الذي يناسب المهيمن حصراً. كمثال على ذلك، اكتفت محكمة العدل الدوليّة في العام 2003 بإصدار حكم يقول إن ردّ الولايات المتحدة المتمثّل بعمليّة "فرس النبي"، لم يكن متناسباً مع الضرر الذي أحدثه الإيرانيّون سابقاً فقط. في الخلاصة، لم يستفد الإيرانيّون بشيء يُذكر من هذا الحكم.

من تفوّق البوارج إلى الصدمة والتأثير

اكتسب سلاح الجو بمختلف مكوّناته أهميّة متزايدة منذ الحرب العالميّة الثانيّة، معلناً نهاية حقبة الهيمنة عبر البوارج (Battleships)، نظراً إلى دوره الأساسي في الحرب البحرية: الميدان الذي يُسقط فيه المهيمن الصّاعد قوّته الكامنة بسيطرته على زوايا العالم وطرقه التجارية.

أخذ هذا الصعود شكل هيمنة أساطيل حاملات الطائرات (Carrie Based Fleet) على ميدان المعركة، فكانت الأخيرة، إلى جانب أسطول حمايتها الضخم، قادرة على تدمير أسطول العدو عبر طائراتها من مسافات تفوق مدى أي مدفع بارجة آنذاك.

قد يُعزى إلى فقدان الاتحاد السوفياتي في فترة الحرب الباردة هذه القدرة، عدم قدرته كإمبراطورية بريّة هائلة على إسقاط قوّة مشابهة للهالة الأخطبوطية الأميركية حول الكوكب، فهي المنتصرة الحقيقيّة في الحرب العالميّة الثانية. شهدت حرب الخليج الفارسي الأولى تطبيقاً بالحديد والنار لمفهوم جديد من التدمير وللهدف منه، أي عقيدة الصدمة والتأثير (Shock & Awe). لا تقوم هذه الفلسفة فقط على استعمال القوة بشكل مفرط وفجائي لتدمير العدو وبنيته العسكريّة، بل أيضاً  كسر إرادته ورغبته في الاستمرار بالقتال.

طبّقت قوّات التحالف هذا المفهوم عبر كميّات القنابل الهائلة والتقنيات المستخدمة في حملتها الجويّة، مستعيضة عن اشتباك موسّع على الأرض. وبذلك، خرج سلاح جوّ التحالف من دوره التقليدي في القصف الاستراتيجي للمنشآت الحربيّة أو مساندة القوّات، نحو مفهوم أوسع يشمل التأثير في تصرفات العدوّ المفترض ومسار الأحداث، كما تعرّف دوره العقيدة الجويّة البريطانيّة مثلاً.

في المقلب الآخر، لم يكن هناك مفرّ لأي مدافع من إنتاج أو اقتناء السلاح المضادّ للطائرات، الذي أصبح عنصراً متزايد الأهميّة لأي قوّة تحرريّة أو متأخرة تكنولوجياً وإنتاجياً، متى ما أرادت هذه القوّة أن تملك فرصة في مواجهة مفتوحة مع الاستعمار الغربي.

ولا تقتصر فعاليّة سلاح جوّ ما على مجرّد تشغيل الطائرات المتقدمة أو الجيّدة بمعيار العصر، بل إنَّ العوامل المساهمة في تحديد ذلك تمتدّ نحو البنية التحتيّة، كالمطارات وتجهيزاتها، ووسائط الحرب الإلكترونية، والصيانة وتدريب الطيران (ساعات الطيران) وغيرها من العوامل.

هذه العوامل التي تكلّف ثرواتٍ هائلة حسمت تفوّق الغرب في وجه الدول الأفقر في هذا المجال، فكان الحلّ الأسهل والأقلّ كلفة، كما يعبّر شعار القوّات السوفياتية للدفاع الجوي غير الرسمي: نحن لا نطير، ولكننا لا نسمح لغيرنا بالطيران، هو منظومات الدفاع الجوّي. وقد اضطلع الاتحاد السوفياتيّ بدور أساسي في تطوير المنظومات الأرخص وتعميمها حول دول العالم المناهضة للاستعمار والطامحة إلى التحرر في القرن الماضي.

 كنتيجة لذلك، حصدت منظومات "سام 2" أو "إس-75" بالتسمية السوفياتية وأخواتها ما حصدت من الطائرات الأميركيّة في حرب فييتنام، حتى وصل عدد الطائرات التي تم إسقاطها إلى ما يزيد على ألفي طائرة بين مروحيّة وثابتة الجناح. هذا الجانب لا يبرز عادة عند الحديث عن تلك الحرب، كما الروايات الثورية التي تتحدث عن حرب العصابات أو هجمات الفييت كونغ في جنوب البلاد، العمق الاستراتيجي للعدوّ.

ومما لا شكّ فيه أن ذلك شكّل ضغطاً هائلاً على البنية العسكرية الصناعيّة حتى لقوّة بحجم الولايات المتّحدة، إذ إنها كقوة إمبرياليّة لم تملك مسرحاً واحداً لفرض هيمنتها، بل كانت فييتنام وجنوب شرق آسيا مجرّد ساحة واحدة ضمن العديد من الساحات التي كان على القوّات الأميركيّة أن تحتفظ فيها بجهوزيّة دائمة. ولا يمكننا الاستهانة بدور حرب الدفاع الجويّ في إجبار الولايات المتّحدة على قرار الانسحاب من تلك المنطقة، مخلّفة وراءها جثث حوالى 10% من سكّان فييتنام آنذاك.

مع الوقت، سرعان ما أصبحت أجيال "سام" القديمة الموجّهة راداريّاً أكثر عرضةً للتشويش الإلكتروني، نظراً إلى تطوّر التقنيات الغربيّة المضادّة لها. اتخذت الدول الغربيّة من هذه المنظومات أحد التحديات الرئيسية الواجب مواجهتها، في محاولة لإعادة فرض التفوّق الجوّي الشامل.

 تتبدّى معالم ذلك في الفرق الشاسع في أداء هذه المنظومات بين حربي الـ73 واجتياح لبنان في العام 1982 في منطقتنا، رغم أن الفارق بين التاريخين لم يتجاوز سنوات قليلة. شهدت حرب تشرين إسقاط العشرات من طائرات الفانتوم والميراج الإسرائيلية باستخدام صواريخ "سام 2،3 و6" الموجّهة راداريّاً (سنكتفي هنا بالتسمية الغربيّة للمنظومات).

من جهة أخرى، تمكّنت القوّات الإسرائيلية في حرب البقاع شرقي لبنان من إبادة بطاريات الصواريخ السوريّة المنصوبة في السهل. كانت المشكلة الأساس في أن هذه البطاريات، الثابتة بمعظمها، تعتمد تقنيّات يسهل التشويش عليها باستخدام الوسائط الحديثة المحمولة جوّاً على طائرات "الأواكس" (AWACS).

يعود ذلك لاعتماد رادارات البطاريات الأقدم من "سام" على تقنية تكبير الموجات الراداريّة عبر الأنابيب الفارغة (Cavity Magnetron)  بعكس رادارات الحالة الصلبة الحديثة، حجم هذه الأنابيب لم يسمح بإرسال عددٍ كبير من الموجات الراداريّة ولا تغييرها بسرعة. حسناً، بماذا قد يفيد ذلك؟

إنه يفيد بأن مبدأ التشويش يعتمد على إرسال موجة مضادة بنفس تردّد الموجة المرسلة، توقع أنظمة الرادار بالحيرة والخطأ. يمكننا تشبيهه بالفرق بين الحواسيب الأولى التي كانت تشغل غرفاً كاملة وتستهلك كميّة طاقة تكفي لإنارة مدينة صغيرة، وبين الحواسيب الحديثة الموجودة على مكاتبنا وفي هواتفنا الذكيّة وتعتمد تقنيات الحالة الصلبة، وهي تفوق الأولى في القدرة والكفاءة. مهّد لهذا التطوّر اكتشاف ما يسمى بالشبه موصلات (Semiconductors) في سبعينات وثمانينيات القرن الماضي، المكوّن الأساسي لجميع الإلكترونيّات الحديثة.

الحرب الإلكترونيّة: تمهيد قصير

سأحاول الابتعاد قدر المستطاع في هذه الفقرة عن التعقيدات التقنيّة الإلكترونية، إلا أنني لا أجد مهرباً من شرح بعض المفاهيم الأساسيّة التي ستساعدنا في عرض وفهم أهميّة الاختراقات العلميّة التي قامت بها الجمهورية الإسلامية في هذا المجال:

تتمتّع شبه موصلات "زرنيخيد الغاليوم" (GaAs) بأفضليّة ساحقة على مثيلاتها من السيليكون (Si) من ناحية القدرة التوصيليّة والفاعليّة في تقنيّات الموجات الكهرومغناطيسيّة، ما حكم بأن تكون المكوّن الأساسيّ في رادارات الحالة الصلبة الحديثة (Solid State Radar).

الكلفة هنا أعلى بالتأكيد، وإنتاجها صعب. لذلك، يستخدم السيليكون بشكل أكبر في السّلع الاستهلاكيّة، كالحواسيب والهواتف الذكيّة وغيرها. تنقسم رادارات الحالة الصلبة إلى نوعين رئيسيّين: مصفوفة المسح الإلكتروني السلبي (PESA) ومصفوفة المسح الإلكتروني الإيجابي (AESA) الأحدث.

الفرق بين النوعين يكمن في أنّ البيسا (السلبية) تعتمد على مصدر واحد صلب للموجات الراداريّة، يتمّ توجيه موجاته عبر قنوات متغيّرة، تسمح بإطفاء وتشغيل القنوات بحريّة أو حتى تأخير بعضها، والتداخل بين الموجات (Interference)  يسمح بتوجيه الرادار نحو زوايا كان يصعب مسحها من دون تحريك الرادار القديم نفسه ميكانيكيّاً.

ولتقريب الصورة، فلنتخيّل تداخل موجات سطح الماء بعد رمي حجر في البركة. لم تسمح عمليّة التداخل هذه بتحكّم أكبر بالرادار فحسب، بل وبقدرته على القيام بمهام متعددة في وقت واحد: كمسح مكعب جويّ، ورصد هدف، والاشتباك مع آخر.

من جهة أخرى، تكمن أهميّة رادارات الإيسا (الإيجابية)، إضافةً إلى كل ما سبق، في أنها تملك مصادر متعدّدة للبث بعكس المصدر الواحد، وهي تسمى الخلايا. يعني ذلك أن كلّ خليّة صلبة رادارٌ قائم بنفسه يبثّ على تردّد خاص به.

بما أنَّ التشويش يفترض معرفة تردّد الموجة التي يعمل عليها العدوّ لإرسال أخرى مماثلة، تصبح هذه العمليّة بغاية الصعوبة متى ما أصبحت الحزمة مكوّنة من مئات أو آلاف التردّدات، وليس من واحدة. كما يُصبح مجرّد إدراك أنّك تتعرض للرصد أو الإغلاق الراداريّ عمليّة صعبة، بحكم صعوبة تصفية (filtering) هذه الموجات من كميّة الضوضاء في الخلفيّة. يُمكننا تشبيه الموضوع بمحاولة فهم ما يحاول أن يقوله لك صديقك في الطرف الآخر من التظاهرة مثلاً.

في حالة رصد الموجة المرسلة من قبل الطائرة، وتمكّن رادار الإنذار الخاصّ بها من معرفة وجود رادار معاد، أو في حال تمكّن "بود" (Pod) التشويش من التقاط تردّد الموجة المرسلة، ما على الرادار المرسل إلا تغييرها بكل سهولة وسرعة. من دون هذه الأنواع من الرادارات وأنظمة التوجيه، فإن أكثر المنظومات الدفاعيّة تقدّماً، كـ"الإس-400" أو الأجيال الأحدث من "إس-300"، تصبح مشابهة إلى حد كبير لـ"سام 2".

في ضوء ذلك، يصبح مدى الصاروخ وسرعته عاملاً أقل أهميّة بالمقارنة مع قدرة توجيهه وإيصاله نحو الهدف، فـ"الإس-200" الذي تملكه سوريا منذ الثمانينيات، يمتلك سرعة ومدى مشابهاً للصواريخ الأحدث، إنما عجز عن توفير مظلّة جوية كافية في وجه الاعتداءات الإسرائيلية المتكرّرة على سوريا في السنوات الأخيرة. بالطبع، فإنّ ذلك يعتمد أيضاً على جغرافية سوريا وموقع لبنان وجباله، إذ يعطي أفضلية لسلاح الجو الإسرائيلي.

 يشبه الرّمي على الطائرات الحديثة بصواريخ الجيل الأقدم في كثير من الأحيان استعمال الجزائريين أو المصريين لمدافع الكرة الحديديّة في أواخر القرن التاسع عشر ضدّ البوارج الإنجليرية أو الفرنسيّة الغازية: هم لن يصيبوها فحسب في أغلب الأحيان.

بعد 32 عاماً على استهداف أميركا طائرة مدنية إيرانية وعجز طهران عن الرد، تعود إيران للانتقام في المنطقة نفسها تقريباً عبر إسقاط فخر الصناعة العسكرية الأميركية "RQ-4".

يسخر كارلو كوب في مقال في العام 2010 من قدرات الدفاع الجويّ الإيراني، ويصفها بالتقادم والضعف، فهو يرى أن جلّ هذه القدرات عبارة عن صواريخ سوفياتية وصينيّة من سبعينيات القرن الماضي، إضافةً إلى ما ورثه الإيرانيّون من صواريخ "الهوك آي" (Hawk I) من نظام الشاه.

كوب هو باحث أسترالي في مجال إلكترونيّات الرادارات الذي يعتبر بلا منازعٍ ألف باء من يريد الاضطلاع بهذه المجالات، كما استقيت من موقعه الإلكتروني العديد معلومات هذا المقال، إلا أنه يسقط في الاستشراق والتعميم الساذج، متى تعلّق أي موضوع بدولة عالم ثالثيّة مناهضة للتحالف الغربي، كما العديد من الخبراء الغربيّين.

كان الأمر ليكون مثيراً للاهتمام لو أن كوب كتب مقالاً ثانياً في العام 2020. سيكون مسليّاً قراءة تعليقاته وردّ فعله أمام عشرات أنظمة الدفاع الجوي التي قام الإيرانيّون بتطويرها وإنتاجها في السنوات القليلة الماضية.

من جهة أخرى، خضعت منظومة "الإس-200" الطويلة المدى لتحديثات عديدة أيضاً، شملت نقل مكونات المنظومة من رادارات أنابيب الماغنترون إلى منظومات رقمية محوسبة من نوع الحالة الصلبة، الأمر الذي لم يرفع فقط من قدرة المنظومة على الاستهداف، بل وعلى العمل في ظروف تشويش أصعب بمرات، وبشكل مستمر، لأوقات أطول.

الإضافة النوعيّة لهذه المنظومة كانت دمجها بمنظومة "تلاش-3" محليّة الصنع، القادرة على إطلاق صواريخ "صياد 2 و3" العاملة بالوقود الصلب، وعلى التنقّل بحرية، بعكس منظومة "الإس-200" الثابتة الأصلية. ويمكن لهذه المنظومة العمل مع رادار "حافظ" المذكور سابقاً، أو حتى بشكل مستقلّ عن منظومة "الإس-200" منذ العام 2017.

أليست جميلةً فعلاً؟

سيكون من شبه المستحيل على دولة بحجم الجمهورية الإسلامية في إيران ووضعها أن تستقلّ بشكل كامل تكنولوجيّاً، كما على أي دولة تقريباً، بحكم البنية التحتيّة التشاركيّة العظيمة التي يتطلبها الإنتاج التكنولوجي والعلمي في عصرنا هذا. تنتمي النماذج التي ذكرناها سابقاً إلى المرحلة الثانية من الإبداع التكنولوجي، بحسب تقسيم كيم ونلسون، أي التقليد مع إضافة الإبداع، وتلك سمة أتقنتها إيران منذ زمن، أي نسخ النماذج الأجنبية وتعديلها باستخدام الهندسة العكسيّة وإضافة التعديلات والتطويرات إليها.

ما حملته السنوات العشر الأخيرة لم يكن مزيداً من التطوير في هذه المنظومات فحسب، بل كان تقديم منظومات حديثة تبتعد أكثر فأكثر عن النموذج الأصلي المستوحى، وتكسب كياناً واسماً خاصاً بها. هنا يكمن التحدّي الحقيقيّ في كسر الحاجز التكنولوجي. منظوماتٌ مثل "الثالث من خرداد" (سوم خرداد)، و"الخامس عشر من خرداد" (پانزده خرداد)، و"باور-373"، تقف على مستوى آخر تماماً من التطوّر التكنولوجي بالمقارنة مع المنظومات السابقة.

تستخدم منظومتا "باور" (أو "بافار" إذا ما أردنا تعريبها) و"15 خرداد" عائلة صواريخ صياد المطوّرة محليّاً. للمفارقة، فإن البنية الأساسية للجيل الثاني من الصواريخ تعتمد في تصميمها على صاروخ "الإس إم 1" (RIM-66 Standard SM-1)، الصاروخ البحريّ المضادّ للطائرات الذي أسقطت البحريّة الأميركيّة به رحلة طيران إيران رقم 655، والذي حصل عليه الإيرانيّون قبيل سقوط الشاه. وفي ذلك بعض من العزاء للإيرانيين إذا ما كان للتاريخ أن يتكلّم.

تمّ الإعلان عن منظومتي "15 خرداد" و"بافار 373" في العام 2019، إلى جانب رادار "معراج 4" العملاق الذي سنتكلّم عنه لاحقاً. يمكننا وصف "15 خرداد" بالأخ الصغير في هذا العرض، فالمنظومة تستخدم الجيل الثاني والثالث من صواريخ "صياد" في مدى أقصى يصل إلى 60 كلم للثاني، و120 كلم للثالث، وارتفاعات تصل إلى 27 كلم.

بحسب القادة العسكريّين الإيرانيّين، فإن "15 خرداد" تستطيع مستخدمةً رادارها الخاص من نوع "بيسا" (PESA) رصد الأهداف من مسافة 150 كلم والاشتباك مع 6 أهداف جويّة في وقت متزامن، ومع أهداف خفيّة كـ"الإف-35" من مسافة تصل إلى 45 كلم.

في المقابل، تنتمي منظومة "3 خرداد" إلى فئة وزن مغايرة، فهي منظومة دفاع جوي ذات مدى متوسّط يتراوح مدى اشتباك صواريخها من عائلة "طائر-2" بين 50 و105 كلم بحسب الطراز. المميّز في هذه المنظومة، إضافةً إلى جانبها الجمالي، أنها الوحيدة التي خضعت لما يسمى "معموديّة النار"، حيث أسقطت منذ سنة بالتمام والكمال لإحدى طائرات الاستطلاع الأميركية الحديثة من طراز "RQ-4"، المسيّرة التي تبلغ كلفتها حوالى 160 مليون دولار فوق مياه الخليج الفارسي

أحد العوامل الأساسيّة الذي مكّن "3 خرداد" من ذلك هو امتلاكها رادار اشتباك حديثاً من عائلة "إيسا" (AESA) بـ1700 خليّة صلبة إلكترونيّة تعمل على حزمة "الإكس" (X-Band) تميّزها عن أخواتها الأصغر في العائلة "رعد" و"طبس" ذوات الرادارات الميكانيكية. هذه المصفوفة تجعل من الصعوبة بمكان التشويش عليها، كما سبق أن ذكرنا.

كما تمكّن وحدات النقل والنصب والقذف مع رادار (TELAR) من رصد أكثر من مئة هدف وتعقّبه، والاشتباك مع 4 في وقت واحد (فيما وحدة النقل والنصب والقذف (TEL) تحمل الصواريخ فقط، ويمكن ملاحظة ذلك من شبه المكعّب الموجود فوق كبينة القيادة: هو رادار الاشتباك). إضافة إلى كل ذلك، تملك كل كتيبة من هذه المنظومات راداراً نشطاً ثلاثي الأبعاد من طراز "بشير" بمدى يصل إلى 350 كلم يعمل على موجات "الإس باند" (S-Band). أليست جميلةً فعلاً؟

درّة تاج الصناعات الدفاعية الإيرانيّة

فئة الوزن الثقيل في المنظومات التي تمتلكها الجمهورية الإسلامية تذهب بلا منازع إلى منظومتي "الإس-300 بي إم يو 2" (PMU2) ومنظومة "بافار-373" محليّة الصنع. يسبق "الإس-300 بي إم يو 2" نظيره الإس-400 بجيل واحد فقط، بمعنى آخر، "الإس 400" هو عمليّاً منظومة "إس-300 بي إم يو 3" تمّت إعادة تسميتها بهدف تسويقها. سنكتفي في هذا القسم بالحديث عن منظومة "بافار"، لحصر حديثنا بالمنظومات محليّة الصّنع.

بدأت إيران العمل على المنظومة في العام 2010 بعد رفض روسيا تسليمها "الإس 300" في البداية بسبب الضغوط الأميركيّة والتهديد بالعقوبات. يومها، كان من المستبعد أن تستطيع الجمهورية الإسلامية في وقت قصير كهذا صناعة منظومة مشابهة تستعمل رادارات مصفوفة مسح نشطة (AESA)، وسادت شكوك حول قدرتها على ذلك، نظراً إلى البنية التقنية والصناعية الهائلة التي يتطلّبها هذا المسعى.

من المحتمل أن إيران استعانت بمكوّنات "الإس 300" الموجودة لديها قبل دخول الحظر حيّز التنفيذ، أو أنّها حصلت على بعضها من كوريا الشمالية أو الصين، وذلك لا ينتقص من حجم الإنجاز بواقع الحال. تُعتبر منظومة "بافار" بلا منازعٍ جوهرة تاج الصناعات الدفاعية الإيرانيّة، ومن الصعب الحصول على معلوماتٍ تقنية عن تجهيزات المنظومة، ولكن يبدو أن جميع رادارات المنظومة من الكشف إلى التتبع هو رادارات من نوع "إيسا" معقّدة الإنتاج.

على ذمّة القادة الإيرانيّين، فإن جدول مواصفات المنظومة مثير للإعجاب فعلاً، وهو إن لم يشِ بما هو موازٍ للـ"إس - 400"، فهو بلا شكّ يوازي مواصفات منظومات "الإس-300" الأحدث، إذ إنَّ مدى الكشف عن الأهداف 320 كلم ومدى تتّبع الأهداف 260 كلم، يفوق قليلاً المدى الأقصى للاشتباك معها، أي مدى صواريخ "صياد "4 الذي يبلغ 200 كلم، فيما يبلغ عدد الأهداف القابلة للكشف 300 هدف، وللتتبّع 60 هدفاً.

إضافةً إلى ذلك، فإنَّ المنظومة قادرة على الاشتباك مع 6 أهداف في وقت واحد، ورمي صاروخين على كلّ هدف في الوقت نفسه. هذه المواصفات تصعّب عمليّة إغراق "بافار"

بالأهداف المعادية، حتى وإن لم يكن جزءاً من منظومة متكاملة متداخلة الرادارات والمديات، وذلك من المستبعد في حربٍ دفاعيّة.

وثمة اختراقٌ تكنولوجيّ آخر للمنظومة كان في إدخال تقنية توجيه الدّفع (TVC) إلى صواريخ "صياد 4"، إذ أن المنظومة تستطيع إطلاق الصواريخ عموديّاً بأي اتجاه، وليس من الضرورة توجيه القاذف نحو اتجاه الهدف. يشابه "بافار" في ذلك منظومتي "إس 300" و"400"، ويختلف عنهما في أن الإطلاق ساخن، أي أن الصاروخ يشتعل في قاذفه، وليس في الهواء.

يمكن لـ"بافار"، إضافةً إلى راداري التتبّع والاشتباك بحزمتي "إس" و"إكس باند" تباعاً (وهي نطاق موجات راداريّة، بطول موجة دسميتري للأولى وسنتمتري للثانية)، أن يعمل بالتوازي مع راداري "معراج 4" الفائق التطوّر و"مطلع الفجر" للإنذار المبكر.

رادار "معراج" العملاق هو رادار كشف يفوق في قدرته رادارات منظومة "بافار"، ويعتمد على المنطق الضبابي في تحديد أكثر دقّة لموقع الهدف. إضافةً إلى ذلك، يمتلك الرادار القدرة على الوصول إلى مدياتٍ أبعد تصل إلى 450 كلم، وتتبّع 200 هدف في وقت واحد، باستخدام حزمة "الإس باند" الأطول.

 تجدر الإشارة هنا إلى أنَّ الحُزم ذات الموجات الأطول تملك أفضلية على مثيلاتها في كشف الأهداف الخفيّة من مديات أبعد. بمعنى آخر، لا يعني الخفاء هنا أن الهدف "اختفى" عن شاشة الرادار، بل أنَّ مقطعه الراداري العاكس (RSC) يجعله يبدو كذبابة لحزم معيّنة من الرادارات، ما يصعب كشفها من مسافات بعيدة.

اكتشف الصربيّون ذلك بالصدفة حين أسقطوا في العام 1999 طائرة أميركية "خفيّة" من طراز "F117" باستخدام راداراتٍ من ستينيات القرن الماضي تعمل على نطاق "UHF" ذي الموجة الطويلة. اعتذر الصربيون ساخرين في بعض المنشورات بعد ذلك معلنين: "عذراً، لم نعرف أنها خفيّة".

كنتيجة لهذه الحادثة، نفضت العديد من دول العالم الغبار عن منظوماتها القديمة، وبدأت بتطويرها وتزويدها بالإلكترونيات الحديثة الصلبة، وكان الروس من السباقين في ذلك، بتقديم رادار "النيبو" (Nebo SVU) الملقّب بـ"قاهر الخفاء".

عملت روسيا على تزويد جميع كتائب "الإس-300" و"400" برادارات من هذا الطراز، تعمل على نطاق "VHF" المتري. بموازاتها، أضافت إيران رادار "مطلع الفجر 3" إلى ترسانة رادارات "بافار-373". والرادار إذاً هو رادار "إيسا" للإنذار المبكر مشابه للنيبو ولطول موجته.

 هذا الرادار لن يقوم وحده بكشف وإدارة عمليّة إسقاط "الإف-35" مثلاً، لكنه سيسمح بما يسمى بالتثليث (Triangulation)، أي كشف اتجاه مسار الهدف العام، وتسهيل عمل الرادارات الأخرى المتباعدة عن بعضها البعض في تتبّع الجسم المعادي واستهدافه لاحقاً. تجدر الإشارة هنا إلى أنَّ إسقاط مسيّرة "RQ-4" المذكورة سابقاً، تمّ التمهيد له عبر منظومة تعتمد هذا النطاق ((VHF من طراز "ثامن"، قبل أن ترسلها "سوم خرداد" إلى قعر الخليج (الفارسي).

ما تعلم الولايات المتّحدة بوجوده

لن تتّسع هذه السطور للحديث عن جميع رادارات الجمهورية الإسلامية في إيران، وأقصد رادارات ما بعد الأفق، كـ"سبهر"، ورادارات أخرى طويلة المدى، كـ"نذير" و"قدير"، ولكن لا شكّ في أن ما تعلم الولايات المتّحدة بوجوده يجبرها على إعادة حسابات خسائرها في أي حملة محتملة على الجمهورية الإسلامية.

لم تكن المسألة تدور يوماً حول قدرة إيران على "الانتصار" بالمعنى الكلاسيكي، فهي لن تحتلّ عاصمة الولايات المتّحدة مثلاً أو تجبرها على الخضوع بشكل كلّي، إنما في جعل الولايات المتّحدة في حالة من عدم اليقين نحو مآل حربٍ ما في منطقتنا مع إيران.

 تقوم هذه الحال مقام الرادع، بالنّظر إلى الخسائر التي قد تتعرّض لها الأولى كقوّة مهيمنة تحتاج إلى فرض سطوتها على مسارح أُخرى، كشرق آسيا، بشكل متزايد ومستمرّ. لا تحتاج الصين وإيران مثلاً إلى معاهدة دفاعٍ مشترك متى ما كانت أيّ حرب (وإن محدودة) مع الأولى ستمنح أفضليّة ما للثانية.

لن تستطيع الجمهورية الإسلاميّة في واقع الحال أن تصنع طائرة على شاكلة "الإف-35" في المدى القريب، ولن نناقش بجدوى سلاح الجو هنا، فذلك موضوع لمقال آخر، ولكن من الناحية العمليّة والاقتصاديّة، فإنَّ للمدافع أفضلية لا لبس فيها في هذا المجال.

لا ينعكس ذلك فقط من ناحية أفضليّة تواجد المدافع على الأرض، فوضع منظومة رادار "إيسا" على قاطرة "ذو الجناح" في الحالة الإيرانية هو أمر مختلف كليّاً من ناحية الكلفة عن وضعها على طائرة ما كالولايات المتّحدة، بل أيضاً في أنَّ كلفة صناعة الطائرة تختلف جذرياً عن صناعة الصواريخ المضادة لها.

على الوزن نفسه، فإنّ الكلفة التي يحتاج المهيمن إلى إنفاقها في عالمٍ يحاول التملص من هيمنته عبر محاولة اللحاق به، تزيد بأضعاف عن كلفة لحاق المتأخّرين به كحالة الصين، إذ إنه يقع على عاتق المهيمن حماية النظام الدّولي الذي صنعه، بعكس المستفيدين منه، كما يقول روبرت غيلبين. هذه الكلفة ستزيد بشكل مستمر بسبب اضطرار المهيمن باستمرار للإمساك بأطراف إمبراطوريته وثناياها ما يؤدي إلى إنهاكه وتعبه.

في حديث إلى أحد الأصدقاء، أسرّ لي بأنه مهما اشتريت من المنظومات الروسيّة "إس-300، 400 أو 500"، فإنها معرّضة في حالتنا هذه، ليس لمنع الاستخدام السياسي فقط، كما في حالة سوريا، أو للابتزاز في تسليمها، كما في حالة إيران، بل في أنها معرّضة للتدمير عاجلاً أم آجلاً، مهما أسقطت من طائرات.

نحن لن نملك دائماً مئات ملايين الدولارات كي نرسلها كل عدة سنوات إلى روسيا أو الصّين لتوريد هذه المنظومات بعد أن تعرّضت للإغراق بمئات الصواريخ والطائرات. التغيّير الحقيقي لن يكون في شرائها، بل في إنتاجها، وبعدد كبير، فمن شبه المستحيل تدمير العلم والمعرفة والخبرة الصناعيّة اللازمة لذلك. يوم يستطيع شعبنا إنتاجها بالمئات واستخدامها بكفاءة بالآلاف، فذلك سيكون يوماً مختلفاً بالتأكيد.

 

 

 

 

 

 

 

 

بقلم: علي جزيني  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 2/9112 sec